عزيزي المربي. نعلم تماماً حجم التحديات التي تواجهها يومياً؛ فتربية الأطفال رحلة مليئة بالشغف، ولكنها قد تصبح مرهقة للغاية عندما تواجه طفلاً دائم التمرد. من الطبيعي أن تشعر بالإحباط أو تتساءل عن مكامن الخلل، ولكننا هنا لنطرح الأمور بواقعية وعلمية، متفهمين تماماً مشاعرك، ومستندين إلى حقائق تساعدك على تقويم هذا السلوك.
في كثير من الأحيان، تتساءل الأمهات والآباء عن كيفية بناء علاقة وطيدة مع أطفالهم بينما يثور هؤلاء الصغار لأتفه الأسباب. لا تقلق، لست وحدك؛ فعلى سبيل المثال، سعت أم تُدعى ماريا لتعزيز علاقتها بولدها جستين عبر اللعب معه. واقترحت عليه لعب طاولة النرد، فوافق بحماسة متفاخراً بأنه لا يخسر. في البداية كان جستين متقدماً، ولكن بمجرد أن بدأت أمه بالتقدم وإخفاقه هو، ثار غضباً وقلب الطاولة رأساً على عقب. حاولت ماريا احتواءه وتهدئته، لكنه رفض الإصغاء وتركها في حالة من الحزن والاكتئاب.
الواقع أن جستين لا يختلف عن معظم الأطفال المتمردين؛ فالمشكلة الأساسية لديهم تكمن في الافتقار إلى علاقات وطيدة وبناءة مع والديهم. وتعد هذه العلاقة القوية حجر الأساس، وتتسم بكثير من الأهمية فيما يتعلق بتحسين سلوك الطفل المتمرد.
الجذور الأولى: كيف يبدأ الارتباط؟
لفهم تمرد طفلك، علينا العودة قليلاً إلى الوراء. في عام 1958، نشر عالم النفس البريطاني جون بولبي أبحاثه حول “نظرية الارتباط”. لاحظ بولبي أن الرضع، في أشهرهم الستة الأولى، يعمدون إلى لفت انتباه الآخرين بصورة ملحوظة عبر تحريك أيديهم وساقيهم وإصدار الأصوات لدفع الأشخاص للاقتراب منهم، ومعانقتهم، وإطعامهم. هذا التفاعل المبكر يندمج في نظام متماسك، ليبدأ الارتباط بالتشكل.
يظهر هذا الارتباط بوضوح في ردود أفعالهم؛ فالرضيع قد يحدق في الغرباء بلا حراك لعدم لفت الانتباه، بينما تعلو الابتسامة وجهه عند رؤية مانح الرعاية، مما يشير إلى ظاهرة الارتباط والرغبة في التفاعل. تتطور هذه الروابط عندما يدرك مانح الرعاية (الأم أو الأب عادة) إشارات الرضيع ويستجيب لها بصورة ملائمة.
لكن في بعض الأحيان، لا تتطور هذه العلاقة لأسباب منها عجز مانح الرعاية عن الاستجابة، أو لأن الطفل نفسه يولد بطباع صعبة. على سبيل المثال، اشتكت السيدة بيكر من أن طفلها إريك كان دائم البكاء والإزعاج منذ ولادته، ولم يفلح معه تغيير الفوطة أو الإطعام أو الهز، مما جعلها تشعر لاحقاً أن إهماله يثير ارتياحها بشكل أكبر. هذا الاستياء مبرر، فالتفاعل بين الوالد والطفل تبادلي؛ حيث يتعين على الوالد الاستجابة الإيجابية، وفي المقابل يجب أن يُشعر الطفل والده بالارتياح لتلك الاستجابة. إذا لم يستجب الطفل، قد يتوقف الوالد عن إظهار المودة والحنان.
وقد أثبتت الباحثة ماري إينسوورث، عبر إجراء “موقف الغريب”، أن الأطفال الذين كونوا روابط قوية مع أمهاتهم وهم رضع، توجهوا إليهن للتواصل الجسدي عند عودتهن للغرفة. بينما الأطفال الذين افتقروا لتلك الروابط أظهروا استياءً أو تجاهلوا أمهاتهم، وهم نفس الأطفال الذين أظهروا لاحقاً مشكلات سلوكية مثل التمرد وتبلد المشاعر عند دخولهم الحضانة.
الخلاصة هنا أن الأشهر الستة الأولى توفر الأساس لتطور العلاقة. فالأطفال المتمردون يفتقرون للروابط القوية ويتسمون بالتوتر ويبحثون عن أسباب لتحدي والديهم. ولكن الجميل في الأمر أن الأطفال يتسمون بالمرونة، وبإمكانك دوماً في اللحظة الراهنة بناء علاقة إيجابية وتعزيزها بصورة ملموسة لمساعدته على تحسين سلوكه.

رصيدك العاطفي: نظرية الحساب المصرفي
لتسهيل الأمر، تخيل أن علاقتك بطفلك هي عبارة عن “حساب في مصرف”.
- الإيداع: يزداد رصيدك كلما قدرت طفلك وعقّبت بصورة إيجابية وأثنيت على أعماله.
- السحب: ينقص الرصيد بشدة حين تعمد إلى توبيخه. والأسوأ أن التوبيخ يسحب من الرصيد مبالغ تفوق ما يضيفه الامتداح.
لذا، يتعين عليك تقديره على الدوام للحفاظ على المال في رصيدك. الأطفال أذكياء جداً في هذه “الأمور المصرفية”. عندما توجه لطفلك طلباً، فإنه يتفقد رصيدك العاطفي لديه؛ فإذا كنت تمتلك المال الكافي (من المدح والتقدير) سيلبي طلبك، أما إذا كان التوبيخ قد استنزف رصيدك، فلن يقدم لك خدمات مجانية وسيحجم عن الإذعان لمطالبك مما يسهم في تمرده.
لماذا يقاوم الطفل المتمرد بناء العلاقة؟
هناك سببان رئيسيان لصعوبة بناء علاقة مع الطفل المتمرد:
- الافتقار لمهارات بناء العلاقات: كما رأينا في حالة الغضب التي انتابت جستين عند خسارته في اللعب.
- المقاومة الشديدة والخوف من السيطرة: يحرص الأطفال المتمردون على إبقاء والديهم على مسافة عاطفية مخافة السيطرة عليهم. هم يكرهون السيطرة إلى أبعد الحدود. وبالتالي، يمثل الارتباط والتمرد وجهين لعملة واحدة. والسبيل الأنسب للحد من التمرد هو توطيد هذه العلاقة.
مهارات بناء العلاقات الأساسية الخمس
لكي نعالج هذا التمرد، يجب علينا تعليم الطفل المتمرد 5 مهارات أساسية للارتباط. تُكتسب هذه المهارات تدريجياً وبصورة تراكمية، كبناء منزل يبدأ من الأساس.
1. تقبل توصيف السلوك (بدون موقف دفاعي)
الطفل العادي يبتسم عندما تصف ما يفعله (مثال: “أنت ترتدين حذاءك”). لكن الطفل المتمرد يكره ذلك ويرفضه بشدة؛ لأنه يرى فيه إشارة لخضوعه لسيطرتك ومراقبتك التي يمقتها. يمكنك اختبار ذلك بوصف ما يفعله طفلك؛ إذا تشنجت عضلاته، أو عض على أسنانه، أو صرخ، أو رمى اللعبة، فهو يكره توصيفك لسلوكه.
- خطوات التطبيق: ابدأ بتوصيف نشاطه ببساطة: “تلعب بسيارتك”.
- يجب أن تحافظ على رباطة جأشك ولا تظهر أي ملامح استياء على وجهك إذا أبدى رفضاً، فهذا يستلزم كثيراً من التدريب.
- اقتصر على وصف نشاط إيجابي واحد في كل مرة. لا تصف السلوكيات السلبية (لا تقل “تلوثين السجادة بالماء”، بل “تسقين دميتك”).
- لا تقدم نصائح أو إطراء أو مساعدة في هذه المرحلة التأسيسية، فهذا سيجعله يرمي اللعبة في وجهك عوضاً عن تقبل المساعدة.
- لا تطل في الوصف كمذيعي الرياضة كي لا تفقد كلماتك مغزاها.
- الهدف هو أن تقترب منه تدريجياً وتوصف سلوكه حتى تراه يتبسم وينخرط في اللعب براحة.
2. تقبل الإطراء وتقديره
الطفل المتمرد يكره الثناء لاعتقاده أنه محاولة للسيطرة عليه وتوجيهه لأداء مهام محددة. هناك خيط رفيع جداً وخطير بين الإطراء والنفاق. الإطراء هو تقدير غير مشروط ولا يخفي دوافع للسيطرة، بينما النفاق هو ثناء غير مستحق لتوجيه الطفل. إذا قلت لطفلتك المتمردة “أنت تجيدين ترتيب غرفتك” بنية دفعها للتنظيف، فستدرك أنك تتلاعب بها وستنصرف عن الأمر.
- خطوات التطبيق: استخدم الإطراء بحذر، فالإكثار منه يفقد الكلمات مغزاها.
- إذا استجاب بصورة سلبية للإطراء، توقف مؤقتاً، واكبح ردود أفعالك السلبية، وعد إلى مهارة توصيف السلوك حتى يشعر بالارتياح مجدداً.
- يحتاج هذا إلى صبر كبير، ولكن تعليم الوالدين الإطراء بطريقة مناسبة يسهم في إزالة صفتي التمرد وعدم الامتثال بشكل جذري. فالأطفال الذين يشعرون بالتقدير يظهرون سلوكاً إيجابياً.
3. الانخراط في اللعب المشترك (للأطفال من 5 سنوات فما فوق)
الآن لا تقتصر وظيفتك على الوصف والإطراء، بل المشاركة الفعلية.
- اختر أنشطة جديدة تتطلب أكثر من شخص (مثل تركيب نموذج طائرة) كي لا يشعر الطفل أنك تقتحم منطقته.
- الغاية هنا هي المتعة، وليست إنجاز العمل على الوجه الأمثل.
- احذر من ممارسة دور الموجه أو إظهار أنك تلم بأفضل الوسائل للإنجاز؛ لأن الطفل سيعتبر ذلك سيطرة ولن يقدر نصيحتك.
- إذا انهار نموذج اللعبة، لا توجهه، بل قل بمرح: “يا إلهي، كان ذلك مثيراً، فلنقم ببناء منزل آخر”. العب دور الوالد الحيادي الداعم فقط.
4. تبادل الأدوار (للأطفال من 6 سنوات فما فوق)
هذه المهارة تعلم الطفل التخلي عن السيطرة بصورة مؤقتة بأمان.
- استخدم أنشطة ممتعة تتطلب تبادل الأدوار كنفخ الفقاعات (تنفخ أنت ثم يفرقعها هو، ثم تتبادلان) أو تسديد الكرة للسلة.
- قد يقرأ الشك في عيون الأطفال المتمردين في البداية لترددهم في التخلي عن السيطرة. لذلك من المفيد توضيح عملية تبادل الأدوار بصورة مسبقة.
- يجب ألا تتسم هذه الأنشطة بالتنافسية في هذه المرحلة، فالطفل المتمرد يرى القوة في الفوز والضعف في الخسارة.
5. ممارسة الألعاب التنافسية (للأطفال من 7 سنوات فما فوق)
تصعب هذه الألعاب على الطفل المتمرد لرفضه الخسارة ورغبته في الفوز بأي ثمن.
- استخدم ألعاباً تعتمد على الحظ تماماً مثل طاولة النرد.
- إياك والغش لترجيح كفة طفلك؛ لأن ذلك يعلمه الغش ويرسخ قناعة أن الغاية هي الربح فقط. الغاية الحقيقية هي تمضية الوقت بمتعة.
- تمثيل القدوة: العب مع راشد آخر أمام الطفل. اجعل الأب يخسر أمام الأم ويمثل قدوة حسنة في تقبل الخسارة بفكاهة ومرح.
- التنبؤ: تنبأ بحدوث الخسارة للطفل قبل وقوعها. إذا شعرت الأم أنها ستربح، يجدر بها إخبار الطفل وسؤاله عما سيفعل. وإذا لم يمتلك إجابة، يتدخل الأب لتوجيهه بشكل غير مباشر حول كيفية تقبل الهزيمة والتعويض لاحقاً. هذا يمنع تمرده ويدفعه للإنصات وإظهار سلوك اجتماعي ملائم.

إرشادات ذهبية للآباء
لكي تنجح في تطبيق المهارات الخمس، اتبع هذه القواعد بصرامة:
- المراقبة الصامتة: انتبه للاستجابات غير اللفظية لطفلك (تشنج العضلات، العض على الأسنان، التململ، احمرار الوجه) التي تدل على الاستياء والتوتر.
- الهدوء التام: لا تستجب لأي من هذه الانفعالات اللفظية أو غير اللفظية الصادرة عن طفلك.
- الاستباقية: تنبأ بالعواقب السيئة لمساعدة طفلك على الاستجابة لها بطريقة مناسبة.
- إدارة مشاعرك: نعلم أنك ترغب بشدة في أن يتقبل طفلك جهودك، وحين يخفق قد يبدو الإحباط جلياً على ملامحك. تذكر أن الأطفال المتمردين يشعرون بكثير من الغضب حين يلحظون إحباطك. لذا، اعمل على كبت استجاباتك السلبية. يمكنك الاستعانة بصديق لمراقبة لغة جسدك وإخبارك بمدى تقدمك.
ختاماً عزيزي المربي، نؤكد لك أن المهارتين الأولى والثانية (تقبل التوصيف والإطراء) تتسمان بكثير من الأهمية. فرغم بساطتهما، إلا أنهما تسهمان بفعالية تدعو للدهشة في تخليص الأطفال من تمردهم وإعادة بناء الجسور المهدومة بينكم. تحلَّ بالصبر، فالنتائج تستحق العناء.
التعليقات