رحلة في عالم طفلك
دليل الآباء لفهم خصائص شخصية الطفل ذوي الإعاقة العقلية

عالم الطفولة مليء بالتفاصيل، وعندما يرزق الآباء بطفل من ذوي الإعاقة العقلية، يصبح فهم هذا الطفل واستيعاب طريقتة الخاصة في التعامل مع الحياة هو المفتاح الأول لتقديم الدعم والتربية السليمة له.
إن أول ما يجب أن نعرفه كآباء هو أن الأطفال المعوقين عقلياً ليسوا قالباً واحداً أو مجموعة متجانسة، بل تتباين صفاتهم بحسب درجة الإعاقة؛ حيث نجد فئة “القابلين للتعليم” (الإعاقة الطفيفة والمتوسطة) وفئة “القابلين للتدريب” (الإعاقة الشديدة).
في هذه المقالة، سنستعرض معاً أهم جوانب شخصية طفلك (الجسمية، والعقلية، والانفعالية) لمساعدتك على رؤية العالم من منظوره الشخصي.
أولاً: النمو الجسمي والحركي (بناء الطفل وطاقته)
قد لا تلاحظ الفروق الجسمية بين طفلك وبين الأطفال العاديين من النظرة الأولى ما لم تكن هناك إصابة مصاحبة في الجهاز العصبي. ومع ذلك، يتسم هذا الجانب بعدة ملامح:
- البنية العامة: يكون الأطفال المعوقون عقلياً في مجموعهم أقل في الطول والوزن بشكل طفيف مقارنة بأقرانهم العاديين.
- أثر البيئة والأسرة: تلعب البيئة المحيطة، وخاصة طريقة تفاعل الوالدين والإخوة مع الطفل، دوراً كبيراً في إحداث فروق فردية في نموه.
- التناقض الحركي: قد تلاحظ على طفلك حركة زائدة وعشوائية في المنزل أو المدرسة تسبب بعض الإزعاج، لكنه في المقابل يتسم ببطء الحركة الإرادية وضعف التناسق والسرعة والدقة عند تكليفه بمهام محددة.
- التأخر التنموي: يتأخر هؤلاء الأطفال بشكل واضح في محطات النمو الأساسية مثل: تعلم المشي، ظهور الأسنان، ضبط الإخراج، ونطق الكلمة الأولى.
- المقاومة الصحية والحواس: يكون الطفل أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، مع ضعف ملحوظ في الحواس (كالبصر والسمع)، مما يسهم في بطء حركته وضَعف تناسقه الحسي-الحركي.
- حالات الإعاقة الشديدة: قد يصاحبها تشوهات في شكل الجمجمة، الفم، الأسنان، الأذنين، والأطراف.
- الإجهاد السريع: يعاني الطفل من ضعف عام يجعله يشعر بالتعب بسرعة، لاسيما إذا كُلف بعمل لا يفهم الهدف منه.
ثانياً: الخصائص العقلية والمعرفية (كيف يفكر طفلك؟)
إن انخفاض القدرات العقلية يؤثر على شخصية الطفل بكاملها كمنظومة واحدة، فينعكس على سلوكه الحركي واللغوي والاجتماعي. وإليك كيف يشتغل عقل طفلك:
1. الميل إلى تبسيط المفاهيم (التفكير الحسي)
يعاني الطفل من قصور شديد في التفكير المجرد؛ فهو لا يستوعب المفاهيم المعنوية مثل (الفضيلة، الخير، الشر، الرحمة). بدلاً من ذلك، ينحصر تفكيره في الأشياء المحسوسة (كالكرسي والكتاب)، وعندما يعرّف شيئاً فهو يربطه بفائدته المباشرة، كأن يقول: “القلم ما نكتب به”.
2. قصور الانتباه والإدراك
يواجه الطفل صعوبة كبيرة في التركيز على المثيرات مقارنة بالطفل العادي. هذا القصور يرجع أحياناً إلى أن الطفل ينتبه لردود فعل الآخرين ورغبتهم في تشجيعه أكثر من انتباهه للمهمة نفسها، أو بسبب تشتته بالعناصر غير المهمة في الموقف، أو لخوفه من تكرار خبرات الفشل السابقة. هذا التشتت يضعف مداه الزمني والعددي في الانتباه، وبالتالي يجعل إدراكه للمواقف ناقصاً ومقتصراً على عناصر غير مهمة.
3. قصور الذاكرة (خاصة قصيرة المدى)
بما أن الطفل لا ينتبه جيداً، فمن الطبيعي ألا يتذكر جيداً. تعجز الذاكرة قصيرة المدى لديه عن استخدام استراتيجيات التذكر بكفاءة. والحل هنا هو الاعتماد على الوسائل التعليمية المحسوسة؛ فالطفل يتذكر جيداً ما تعلمه عبر أشياء ملموسة.
4. التعليم والتعلم العارض
تقف قدرته التعليمية عند سقف محدد (غالباً مستوى المدرسة الابتدائية، وبعمر عقلي يتراوح بين 7 إلى 11 سنة في أحسن الحالات). كما أنه يفتقد مهارة “التعلم غير المقصود أو العارض” (وهي المعلومات التي يلقطها الطفل العادي من البيئة دون توجيه مباشر)؛ فالطفل المعوق يركز فقط على ما يقوله المعلم مباشرة ولا ينتبه للتفاصيل المحيطة بالآلة أو النموذج المعروض.
5. التأخر اللغوي
يتأخر نطق الكلمة الأولى لدى الطفل إلى السنة الثانية أو الثالثة. وتكون حصيلته اللغوية قليلة وتنمو ببطء، كما يعاني من جمل غير كاملة، وصعوبة في فهم المعاني العميقة للألفاظ. يظهر هذا التأخر أيضاً في عيوب النطق (كالتهتهة والثأثأة والكلام الطفولي)، وفي حالات الإعاقة الشديدة يصبح النطق “بليداً” وخالياً من النغمة الموسيقية.

ثالثاً: الخصائص الانفعالية والاجتماعية (مشاعره وسلوكه)
تتشكل مشاعر الطفل وسلوكه الاجتماعي بناءً على قدراته المعرفية وطريقة تعامل المجتمع معه:
- تقدير منخفض للذات: يشعر الطفل بالدونية وضعف الثقة بالنفس. هذا الشعور يغذيه استقباله المستمر لرسائل السخرية، الشفقة، أو اللامبالاة من الآخرين، بالإضافة إلى خبرات الفشل المتكررة التي مر بها.
- الانسحاب والنزوع للعزلة: يفضل الطفل الانعزال والوحدة عندما يتواجد وسط أطفال عاديين، هرباً من تعليقاتهم الساخرة أو المقارنات الجارحة.
- التقلب والانفجار الانفعالي: قد تكون انفعالاته باردة وغير مكترثة (بلادة)، أو مبالغاً فيها وتصل حد الانفجار. هذا يعود لعدم قدرته على الحكم الصحيح على المواقف، وسوء التواصل مع الآخرين.
- النزعة العدوانية: يعيش الطفل حالة دائم من الإحباط الناتجة عن عدم تقبله في المجموعات وإحساسه بالنقص، والإحباط هو الوقود الأساسي للسلوك العدواني.
- التردد والجمود السلوكي: يتردد لعدم ثقته في الصواب والخطأ، ويتسم بالجمود ونقص المرونة؛ فيكرر نفس الأساليب السلوكية الروتينية في مواقف مختلفة لأنه لا يملك مخزوناً سلوكياً ببدائل أخرى.
- التناقض بين العناد والقابلية للإيحاء: قد يظهر عناداً شديداً وعدم مسايرة لأنه لا يثق في الآخرين بسبب نقص فهمه للموقف. لكنه في نفس الوقت، يمتلك “قابلية عالية للإيحاء والاستهواء” وينقاد بسهولة لمن يعامله بلطف وإنسانية، ويشعره بقيمته.
- سلوكيات غير مقصودة أخلاقياً: قد يلجأ الطفل لسلوكيات مثل الغش، الكذب، أو السرقة؛ وهنا يجب على الآباء إدراك أن الطفل يرتكبها كاستجابة فورية للموقف دون وعي أو فهم للمدلول الأخلاقي أو الاجتماعي السيئ لهذه التصرفات.
رابعاً: الأمل في الغد.. كيف يحقق طفلك التوافق والعمل؟
السؤال الأهم الذي يشغل بال كل أب وأم: هل يمكن لطفلي أن يعيش متوافقاً وناجحاً في حياته؟ الإجابة تعتمد على فئة طفلك ونوع الدعم المقدم له:
- في حالات الإعاقة البسيطة (الطفيفة): إذا تلقى الطفل تعليماً وتدريباً مهنياً مناسباً في مهنة معينة، ووجد معاملة حسنة وتقبلاً لشخصه وتشجيعاً مستمراً، يمكنه العمل بنجاح وإخلاص في أعمال يدوية تعتمد على الجهد البدني والرتابة والروتين (وليس الجهد العقلي أو المرونة). وهنا يحقق درجة لا بأس بها من التوافق النفسي والاجتماعي، ويزداد تكيفه كلما طالت فترة بقائه في العمل وشعر بنجاحه (وتشير البحوث أن هذا النجاح يكون حليف الذكور أكثر من الإناث).
- في حالات الإعاقة المتوسطة: لا يستطيع الطفل العمل بحرية، ولكنه يستطيع أداء أعمال بسيطة جداً تحت إشراف مباشر وفي أماكن آمنة تماماً ومحمية من المخاطر، تسمى “الورش المحمية”.
- في حالات الإعاقة الشديدة: لا يكون الحديث هنا عن العمل ممكناً، بل يحتاج الطفل إلى رعاية طبية، ونفسية، واجتماعية مستمرة طوال الوقت.
التعليقات